الرئيسية / كتابات / إيران المشهد الداخلي وسيناريوهات المستقبل

إيران المشهد الداخلي وسيناريوهات المستقبل

 حازم عياد

بعد تسرب الانباء عن احتجاجات وتظاهرات واسعة في عدد من المدن الايرانية على رأسها مدينة مشهد، صدرت بيانات من الحرس الثوري الايراني وأخرى من الجيش تذكر بالنصر الذي احرزته الدولة على خصومها في احتجاجات 2009 عقب انتخاب محمود احمدي نجاد.
لم يمر وقت طويل حتى خرجت تظاهرات مضادة في شوارع المدن الايرانية لمواجهة المحتجين استعدادا لتجريد هذه الاحتجاجات من مشروعيتها المطلبية والتي تركز على الاوضاع الاقتصادية المتدهورة لدى قطاع واسع من الايرانيين، فهل ينجح التكتيك القديم الجديد في مواجهة الازمة وارباكات المشهد؟
الازمة مختلفة من حيث الجوهر عن سابقتها في 2009 اذ ارتبطت بالاحتجاج السياسي على اعادة انتخاب نجاد، وخسارة الاصلاحيين بقيادة مير حسين موسوي، في حين ان الاخيرة مرتبطة بأزمة اقتصادية وبيئة دولية واقليمية متغيرة؛ فروقات ستلقي بظلالها على التكتيكات المتبعة في ايران لمواجهة الاحتجاجات التي ستميل اكثر نحو اتهام الناشطين في هذه التظاهرات الارتباط بقوى اجنبية؛ ما سيسهل عزلهم على عكس الكتلة السياسية الكبيرة التي مثلها موسوي والى جانبه خاتمي ومن خلفهم رفسنجاني الذين اعتبروا من اطراف النظام السياسي.
الازمة سيتجاوزها النظام الايراني، وستمثل نقطة بداية لجهود اكبر للتعامل مع ملف الازمة الاقتصادية وتسريع الاصلاحات الاقتصادية التي بدأها روحاني بإقالة عدد لا بأس به من قادة وموظفي حرس الثورة الذين تمتعوا بنفوذ اقتصادي كبير لصالح تنشيط القطاعات الاقتصادية الخاصة.
وبالرغم من ذلك فإن ايران ستبقى على موعد مع ازمة جديدة برحيل المرشد الاعلى علي خامنئي الذي عانى خلال العامين من اشكالات صحية خطيرة؛ فاستقرار النظام السياسي مسألة مستبعدة في السنوات القادمة وستزداد خطورة في حال لم تتمكن ايران من اجراء اصلاحات اقتصاية، ومن تخطي شبح العقوبات الذي يتهدد استقرار نظامها السياسي، فهي على موعد مع ازمة مزدوجة سياسية واقتصادية في آن واحد.
رغم كل هذه الارباكات والحقائق، فإن حسم الموقف في ايران خلال السنوات القادمة لن يكون رهينا بالسياسة الامريكية والاوروبية التي تراهن على تحولات بنيوية وهيكلية في النظام السياسي؛ فالصين وروسيا لها مصالح قوية في ايران تفوق في اهميتها مصالح اوروبا وامريكا، كما ان تركيا وباكستان لها مصالح قوية وحيوية في استقرار النظام السياسي الايراني من خلال الانفتاح عليه، وخلق شراكات تسمح بمواجهة تحديات الحقبة الانتقالية الصعبة والمتوترة في النظام الدولي.
فالصين تنظر الى ايران كنقطة ارتكاز اساسية غرب اسيا ووسطها وهي جزء من مشروعها طريق واحد حزام واحد، ولن تتخلى عنها لصالح الولايات المتحدة، كما ان روسيا لن تخسر حليفا موثوقا في المنطقة لعب دور الحليف والشريك في العديد من الملفات.
ايران في ضوء التجاذبات التي ستشتد خلال السنوات المقبلة ستكون امام سيناريوهان؛ احدهما يدفعها نحو تبني النموذج الكوري الشمالي في حال تمادت امريكا والقوى الغربية في استثمار الارباك الداخلي مدعومة من الصين وروسيا؛ والسيناريو الثاني يتجه نحو انفتاح ايران وإجرائها مساومات واسعة تدعم من استقرار نظامها السياسي بالتعاون مع روسيا وتركيا وباكستان واطراف عربية، مساومات تحقق دورا سياسيا يتناسب مع حجمها الحقيقي لا مع طموحاتها المكلفة في الاقليم العربي؛ فإيران تملك العديد من الاوراق التي تتيح لها المساومة للخروج من مأزقها الاقتصادي معززة بطموحات صينية في المنطقة وروسية و شراكات سياسية تتناسب مع حجمها الحقيقي بعيدا عن الطموحات السياسية المتضخمة والمكلفة في آن واحد.
أخيراً فإن خيارات طهران نابعة من قوة نظامها السياسي، واتساع مروحة خياراتها وتحالفاتها؛ فرغم الاختلالات الناجمة عن تقادم النظام السياسي وتوسع طموحاتها، الا ان الاسباب ذاتها هي التي وفرت له الادوات للمناورة واعادة التكيف والمساومة، هذه القدرة التي تجعل من المستحيل على طهران الاستسلام لمطالب المتظاهرين في الشارع فلدى ايران رؤية ومرونة كبيرة تتيح لها النجاة من ارباكاتها الداخلية، وفي أقصى اليمين يقبع النموذج الكوري الشمالي ما يجعل طهران خاسرا كبيرا في هذه المعادلة ومجرد تابع لروسيا والصين، وهو ما ستجد فيه واشنطن وأوروبا أيضا كارثة كبرى.

عن محمد محيسن