الرئيسية / كتابات / يوميات مهاجر..(6)

يوميات مهاجر..(6)

يوسف محيسن يكتب من السويد

 

زمان أيام البحث عن الذهب.. يأخذك الأصدقاء لزيارة (شيخ) يقولون ان عنده سر باتع وله القدرة على أحضار الجن وفك الطلاسم..
بعد ترحاب يدخلك (الشيخ) إلى غرفة يبدو بابها لا يفتح دائما، مخصصة بشكل من الأشكال للضيوف.
تجلس في بقعة يختارها لك بعد ان يهيأ لك الوسائد بصورة يعتقد أنها جيدة وتعتقد أنت أن لا فرق.. ما أن تتموضع في بقعتك حتى يبدأ.. بنطق اولى كلمات ترحيب تلقائية، وأيات قرأنية، واستغفارات بفصحى غير سليمة..
ترد على ترحيبه لك بكلمات مناسبة حريصا ان تكون كلماتك غارقة في اللهجة المحلية ومطرزة على نسيجه ومتظاهرا بأن سنين التمدن والاغتراب ومعاشرة لهجات أخرى لم تؤثر عليك.
يتركنا بعض الوقت في الغرفة، ربما ذهب لإحضار كأس شاي كواجب ضيافة.
تغرق الغرفة بصمت كبير، ورطوبة تأكل الجدران.. تنظر إلى الجدران وتتوقف نظراتك عند صورة ببرواز خشبي قديم، صورة بالأبيض والأسود لرجل يبدو متفائلا، ينظر بعينين مفتوحتين امام المصور، شعره مسرح بالطريقة الجانبية القديمة المعتادة لكن مع نوعية الدهان التي أستخدمها قبل التسريح بدى لامعا فوق الجبهة، الشفتين مزمومتين والشارب الصغير جدا فوقهما لا يختلف عن شارب هتلر إطلاقا.
يعود(الشيخ) حاملا كأس شاي أحمر تسبح داخله ورقة من النعناع الاخضر، أبنه الصغيرة ذي الثلاث سنوات يمسك بثوب والده من الخلف ويتخفى وراءه خجلا ككل الأطفال الصغار في حالة وجود انسان غريب يرونه لأول مرة..
ترتشف اول رشفة من الشاي بطريقة تمنع دخول ورقة النعناع التي تحاول بسرعة الدخول إلى فمك وتلتفت لتنظر إلى الصورة ذي البرواز من جديد، وكأن هناك صراع بينك وبينها وسوء تفاهم.. يتابع (الشيخ) نظراتك فيعلق:
– هذا الوالد!
تعلق أنت وقتها قائلا : الوالد.. الشنب رائع، وليش صاير معاه هيك؟
– بالضبط ..كيف عرفت؟
لن تخبره كيف عرفت!
لأنك لا تعرف ماذا عرفت هي عبارة نطقتها..
ثم تلاحظ أن الولد الصغيرة يتفرس فيك، ويبدو واضحا انه قد بدأ بقرأة ملامحك منذ دقائق وأنت لا تدري، تنظر إليه بلطف فيبدأ هو بالارتباك الطفولي الغريب .. يضع اصبع يده في فمه وهناك شيء أخضر ناشف تحت أنفه..
يسأل (الشيخ) عن الموضوع، وكيف سيتم، ويبدأ بأستعراض كلامي عن قدراته، وسيرته الذاتية والمواقع التي حفرها.. وخيانة المجموعة التي كانت معه ثم يصمت وينتظر مدح أو إجابة..
ليس لديك مدح أو إجابات محددة مسبقا.. أفكر بشيء ما وانظر إلى الطفل الصغيرة وهو يضع يده على فم ابوه بأستغراب بشكل مضحك.

****************

‏كان جحدر بدون قيمة ولا مكانه وليس له مال فقامت حرب البسوس وطالت وبداء جحدر يحتل مكانه مهمه من خلال استغلاله للحرب التي حسنت ظروفه المادية والمعنويه وتحول اسمه من جحدر إلى ربيعه وصار قائد وفارس ومقاوم يأمر وينهي ويخون فلان ويكفر علان، فكم جحدر من أمثاله تحولوا إلى قادة، من ورا القضية!!

****************

ما الذي يجعل العدو قويا وهو فقاعة؟
مصدر قوة العدو هو عدم وجود مقاومة وطنية منظمة وفعالة.
هناك اندفاع وطني لآلاف الأفراد، يندفعون لمواجهة المشروع الصهيوني، لكنهم للأسف ينخرطون في سياق مقاومة صنعتها دول مجهرية ومحطات بنزين وغاز ناهيك عن الفارسي والسلجوقي، ووجهتهم في ذلك أعاقة هدف تكوين مقاومة وطنية، ومشروع وطني..
أن ما يسمى بسلطة حماس وسلطة عباس هدفة تفريغ اندفاع المقاوم وإفراغ طاقته الوطنية وضميره، وتحويل فاعليته إلى يأس وطني شامل.
قادة ما يسمى بفتح السلطة، وسلطة حماس مهمتهم هو تقديم صورة مهترئة لمفهوم الثورة ولمفهوم المقاومة، وحرق الضمير الوطني المقاوم.
لا أريد أن أكون سوداويا، ولكن الواقع يصرخ بأن لا أفق لمقاومة موحدة ذات سيادة قراراتها مستقلة..
السلطتين حماس وفتح تمثلان فقط المكائد السياسية وتعكسان حجم الانحطاط وغياب المشروع والهدف الوطني!
إن حجم هزيمتنا الوطنية نجدها في عصابة حماس وعصابة فتح السلطة..
حجم هزيمتنا تكمن في إصرار كل عصابة على انشاء جيش وهمي وشرطة ومخابرات يتربحون منها على حساب نزيف دم مسال ووطن محتل في كل تفاصيله.

*************

لا أعرف حقيقة الأزمات البنيوية في الفكر المعاصر. ما هذا الذي يناقشه المثقفون والمفكرون والفلاسفة؟ ما طبيعة أزمة العقل البشري الحديث؟ أو ما الإشكاليات التي يعاني منها الواقع المعاصر؟ وما هذا الذي يتحدثون عنه بخصوص ما وراء الطبيعة؟ وما بعد الحضارة؟ وما تحت الصرماية؟
أنا لست كائنا مثقفا.قرأت كثيرا، لكنني لم أفهم إلا القليل جدا.
حين جاء من يهنئ والدة ماركس على صدور كتابه “رأس المال”، كان رد الأم المسكينة: ليته قضى كل تلك السنين في جمع رأس المال بدلا عن تأليفه!
لا تحدثني عن المنهج التفكيكي للتاريخ، ولا المنهاج الديالكتيكي في الفلسفة. عنجد عمري ما فهمت شيئا غير واضح. الوضح لا يحتاج إلى فلسفة أو تنظير.. يختلط علي الكلاسيكي بالواقعي، والرومانسي بالتجريدي، والرمزي بالتكعيبي، والسوريالي بالانطباعي،
لكنني اعرف من يحتل وطني واعرف من هو العميل ومن هو الوطني.. أعشق غناء فيروز، وأم كلثوم.. وتمثيل جوليا روبرتس،وابتسامتها. أعشق قصص التاريخ وحكايات كبار السن في ديوان والدي.. اتعمق في أساطير مابين النهرين والاشعاع الفكري لعرب الأندلس وتأثيره على أوروبا..
قد أحببت مذكرات بابلو نيرودا وتشي جيفارا، وكرهت مذكرات حسنين هيكل..
أسوأ ما يمكنك أن تقرأه وتراه هو التاريخ الحديث والمعاصر لعالمنا العربي.. ففيه من النتانة والقذارة والحقارة ما يكفي شعوب الأرض.

************

لا كهانة في الإسلام..
غير أن روح الكاهن وجوهر الكهانة ظلا قائمين، ولو في الظل. وراح الكهنة الجدد يخاطبون أتباع الدين الجديد باسم الله في كل أمر من أمور الدنيا والآخرة، وفي كل شأن من شؤون العيش والمعيشة، وفي كل مطلب من مطالب الحياة اليومية التي يدعون الزهد فيها ويزعمون الترفع عنها!.
فصار الكذب باسم الله،
والحب باسم الله، والزواج باسم الله، واللباس باسم الله، والسرقة باسم الله، والقتل باسم الله، والتدليس باسم الله.. الخ.. صارت قاعدة متأصلة لدى كل المتحدثين باسم الله زورا وبهتانا، ممن يدعون أنهم يمثلون الله وحدهم، ويعرفون الله وحدهم، ويحبون الله وحدهم، من دون سائر الناس..
وانتهى بهؤلاء إلى تسميم العلاقة بين الله والناس حتى في ابسط الأمور.
فإذا تكرر اسم الله من افواههم في كل شيء.. فاهرب سريعا إلى الله الحقيقي الذي فيك.

**************8

الدولة الرخوة!
دولة فريدة في كل شيء حتى في مساوئها..
نظرية الدولة الرخوة قال بها الاقتصادي وعالم الاجتماع السويدي جنار ميردال 1968.
“كان ميردال يرى أن كثيرا من بلاد العالم الثالث يعاني من خضوعه لما أسماه بالدولة الرخوة، وأن هذه الدولة الرخوة تكاد تكون هي سر البلاء الأعظم، وسبباً أساسياً من أسباب استمرار الفقر والتخلف. وهو يعني بالدولة الرخوة : دولة تصدر القوانين ولا تطبقها، ليس فقط لما فيها من ثغرات، ولكن لأنه لا أحد يحترم القانون : الكبار لا يبالون به لأن لديهم من المال والسلطة ما يحميهم منه، والصغار يتلقون الرشاوى لغض البصر عنه. الرخص والتصريحات معروضة للبيع، سواء كانت لبناء غير قانوني، أو لاستيراد سلعة ممنوعة، أو لاسترداد ضريبة واجبة الدفع، أو لفرض حماية لسلعة مسموح باستيرادها..إلخ، والقيود لا تفرض إلا لكي يثري البعض من كسرها والخروج عليها، والضرائب نادرا ماتحصل أصلا، والمناصب يلهث الناس للحصول عليها لما تجلبه من مغانم مادية، والامضاءات تباع أو توهب للمحاسيب والأقارب والانصار، والعملات الأجنبية وبدلات السفر توزع بلا حساب على أصحاب السلطة والمقربين منهم، وقروض البنوك تمنح بأسعار فائدة رمزية لمن لا يستحقها بينما يحرم منها من تقررت هذه الفوائد الرمزية أصلا لصالحهم..إلخ.
في هذه الدولة الرخوة يعم الفساد إذن وتنتشر الرشاوى، فرخاوة الدولة تشجع على الفساد، وانتشار الفساد يزيدها رخاوة. والفساد ينتشر من السلطة التنفيذية والسياسية إلى التشريعية، حتى يصل إلى القضاء والجامعات. صحيح أن الفساد والرشوة موجودان بدرجة أو أخرى في جميع البلاد،ولكنهما
في ظل الدولة الرخوة يصبحان “نمط الحياة”.. “

عن محمد محيسن