الرئيسية / كتابات / يوميات مهاجر (5)

يوميات مهاجر (5)

يوسف محيسن .. يكتب من السويد

غياب كامل الدسم!
كورقة التوت لا يستر، لا يغني، لا يسمن، من جوع.
يتساقط من شقوق أناملي كلمسة قبل أن أدسه بين كفيك كضحكة والضحكة صلة رحم. تتجول دون خوف في شوارع وغابات متخيلة..ما بالي لا اسمع لك ركزا ولا صوتا؟!.
كانت صدفة، عندما توقف فيك ألف شريان في لحظة ألتفاته عفوية.. تركت فيك أثر أكثر من قرأة كتاب، كباقة زهور على منحنى نافذة عجوز، أولحن قديم في مساء ماطر، ضحكة فاجرة في شارع معتم، نضج بالمكابرة في حقل شهوة مفتوح.
آه آه.. من غرائب هذه الحياة أن تقع في أمكنة خطأ ومع أشخاص خطأ.. على أمل أن تصل ألى الأشخاص والامكنة الصح.
لا يتم ذلك أبدا بأعماق مشوهة، بل بصفاء موجع، عندها تصبح الأشياء العادية مثيرة.
فتختصر حياة مشيت بها مسافات طويلة ومعارك عنيفة هاربا من نفسك… دون عدو واضح ولا هدف محدد.. حياة كتهمة لطالما اخفيتها عنهم مع معطف قديم.
حياة، للأسف لا أملك سواها جربتها، ولم تناسب مقاسي، يمكنني الأن رميها في أي مكان فلست بحاجتها.
***************************8
ڤيسبي والدفع بها.
لم أكن أرغب أن أكتب لك اليوم، أقول لك الحقيقة، لم أكن أرغب أن أكتب لك قط، ولا أريدك أن تخرج لي من بالي الفاضح، ولا أظنك تستحق هذا الاهمال، لست محض شبح، ولا يعني عندما هتفت في لحظة طيش أنني أعنيك انت، لقد كان الهتاف ضروريا وقتئذ لتمكيني من التمرد.
الخلاصة الوحيدة…
اذا كنت تبحث عن ملاك فتجاهلني.

********************************

مزيج ثقافات وأعراق ضائعة “حضرمية من جهة الأم أمازيغية من جهة الأب” فاتحة اللون باتجاه البياض، طيبة القلب من جهة راجحة العقل من جهة أخرى.. تتقن اللغات واللهجات ألتي كونت نسبها..ترعرعت في الشمال المغربي فنضجت بعمق.. منحها تلاقح الأعراق بعض الجمال اللافت، امتزج بقوة شخصية وكبرياء.. أفردت لها رياح الصدف جناحيها ونقلتها لمجتمع آخر، لا تماس لأغلبهم مع أصولها..ظلت مصاحبة لثقافتها لم تقتل علاقتها بها، كانت تسير معها كسمائها.. ورغم كونها سايرت مجتمع أخر مع بعض التكيف، إلا أن المسايرة ظلت هامشا على متن ثقافتها الأصلية.
ثقافتها مستيقظة على امتداد يومها.. فهي تحمل في الأصل تناقضا لغويا صارخا مع البيئة الجديدة. كانت تهرب كل مساء إلى عمقها، تمارس لذة الانحياز لطقوسها التي تفصلها عن عالمنا، تقرأ وردها اليومي من الشعر والفلسفة.. وتشرب قهوتها معي في كامل زينتها، مسترخية على مقعدها، وتتدثر بلحاف من حنان، في طقس يستعير بعض الاستفزاز المبطن لمحيط ٍلا تعترف فيه النساء.. صراحة، كانت تحرق البخور مساء لتعديل المزاج وتخدمني حافية، وتحرق بخورها العبق.. في الغرفة حتى يتحقق العدل المزاجي، ومع كل هذا، لم تكن بحاجة لأحاسيس متطرفة أومتناقضة لتقتنع بكينونتها.
أفتش في جعبة الذاكرة لأستعيد بعض المرح البريء معها..
ذات مرة نادت علي، لكني كنت أسعد بسخاء غنائي في الوقت الضائع المستقطع، ثم نادت ثانية..كنت متسلطن مع أغنية واتسكع بهدوء وجداني. “حبيتك بالصيف..” فجأة وجدتها أمامي ترمقني شزرا، ثم صرخت: طبيعي أن لا تجيب، أنت منشغل ب “حبيتك بالسيف” أولت النص الرحباني لشيء آخر تماما، وذهنها يدفعها لمنطقة المحظور…ثم واصلت: ما هذه الوقاحة؟ هذا غير مناسب.. ثانيا الحب.. ألا الحب بدوني، الحب يسود بالفوضى لا بالسيف.. دلقت القهوة وانصرفت!

************************************

الرواية كتبتها كاتبة اسمها ميري شيلي في القرن التاسع عشر..
طبيب اسمه فرانكنشتاين كان مهووسا بفكرة الخلق. بعد تجارب عديدة ومضنية، نجحت إحدى تجاربه.
قام فرانكنشتاين بسرقة أعضاء مختلفة من جثث متفرقة وخياطتها وتوصيل الجسد المتكون بالكهرباء لتدب فيه الحياة وربما الموت..!
كان مخلوق فرانكنشتاين ضخما وبشعا ومشوها وغير متناسق بالمرة.. والأسوأ من ذلك أنه كان مشوها في تفكيره ومشاعره وتصرفاته لدرجة فاقت التصور!
بعد ذلك حدثت أحداث كثيرة أختصرها بأن الوحش المشوه قام بقتل الكثيرين من أقارب وأصدقاء فرانكنشتاين بل هدد حياة فرانكنشتاين نفسه والذي ما ندم على شيء مثل ندمه على خلق هذا المسخ، لدرجة أن هدف فرانكنشتاين في الحياة أصبح قتل المسخ الذي صنعه!
ربما قرأ الراوية أو قرأ إحدى الروايات المتفرعة منها عدد منا .. وربما شاهد الفيلم أو أحد الأفلام المستوحاة منها الكثيرون ..
لكن هل فهم مغزاها الكثيرون؟
لا أعتقد!
حتما ليس الأنظمة العربية ولا الحركات الأسلامية!!

***********************************

عبرنا كل هذه السنين..
والأن أغلقنا الباب، وشرعنا النوافذ بأنتظار الحنين.
وددت ان أكون خاطرك..
ولكن.. ليس سهلا أن تبث الطمأنينة وسط التوجس والارتياب، أو تواعد حالما بأن يصدق، والأرشيف مكتظ برسائل الهجران وبرقيات الوداع الأخير.
طيش الآخرين يكلف الكثير.. ألف ظهر لا يحتمل نزق الكلمات.

عن محمد محيسن