الرئيسية / سلايد شو / بالمقلوب..

بالمقلوب..

محمد محيسن

هكذا تسير الأمور في بلاد العرب ، يرفعون شعارات للحرية وينقلبون على أول ونتائجها، بل يدافعون عن خيارهم بالمزيد من التبعية، يطالبون بالديمقراطية ويدافعون عن بقائهم ضمن نطاق التبعية والاستسلام والخنوع.

ينادون بالوحدة، ويتقاتلون حد الموت دفاعا عن تلك النعرات الطائفية والعشائرية والإقليمية، التي انقرضت يوم انتصر المماليك على التتار.

عندما تتناغم الطائفة والقومية والدين مع الوظيفة وفرصة العمل والموقع الحكومي، فان الحرية التي تسود هي حرية التخريب، وحرية الواسطة والمحسوبية، وحرية اقتناص الفرص والعبث وقلب الحقائق وتسويفها وأحيانا تميعها وتشويهها.

ينادون ببرلمانات نظيفة وانتخابات حرة ونزيهة، ولكنهم ينتخبون ويصوتون وفق نظرية الولاءات القبلية ويفضلون ذوي القربى على أي ولاءات أخرى، فيما تبقى الأحزاب وعاء للكسل والخمول والتناقض والكثير من التناقضات والتراجعات، تكريس مبدأ القائد الفرد والزعيم الملهم .

وتتحول المنتديات والصالونات الساسية الى أوكار للمناكفات السياسية واجترار المواقف المتناقضة والحساسيات ، نتيجة غياب الرؤيا والبحث عن المصالح الذاتية والآنية الضيقة.

المشكلة كل المشكلة فيمن يصرخون باعلى صوتهم ويخترقون حاجز الصوت في الحرية، وهم واقعون حتى اذنيهم في مأزق الخطأ والخطيئة.

في الحقيقة باتت أفعالنا وأقوالنا تصرفاتنا وانفعالاتنا مجرد شعارات تصلح للكتابة على الحيطان فقط ولكنها بعيدة كل البعد عن الديمقراطية ،فالحرية المقلوبة هي ان يتم مصادرة الحريات الشخصية عبر مطبقي القانون، وان يتم الاعتداءات حرية الكلمة باسم القانون .

 

يصف احد الكتاب العرب الحالة التي نعيشها فيقول «نحن أبناء العروبة المعاصرين والمعصورين حتى اخر قطرة ، بدأنا نعودون ألان عودة غير حميدة او مظفرة الى جاهليتنا والأولى دون منازع».

ففي الوقت الذي تنادي الحكومة بل الحكومات بانها مع حرية الاعلام التي لن يمسها الباطل من بين يدها ولا خلفها ، تفاجئنا بإغلاق قنوات وترك مؤسسات إعلامية تنهار ليس لأنها تبث خطابا لا يتواءم مع التوجهات العامة كما تقول، ولكنها في المقابل تعمل على تدعيم مؤسسات أخرى انسجم خطابها مع ،، مقتضيات المرحلة ومع المتطلبات العصرية.

الكل يزعم انه يحمل طوق النجاة ، ولكنهم في الحقيقة يحتكرون الصواب ويدعون المعصومية ، وينسون ان الحرية هي أيضا عملية ثابتة وتترسخ بمرور الزمان، وتتفاعل مع الانسان الذي يعيشها عبر حاجاته ورغباته، والتوازن مابين الحرية الشخصية وحرية الآخرين، ومتطلبات الجماعة والمجتمع.

اما أولائك الذين يكتبون ويعملون بالمقلوب، فهم يتهربون من واقع مرير مسكوت عنه مع سبق الإصرار والترصد ، الى واقع أكثر رداءة وشراسة ، واقع فرض من فوق ومن فوق فقط…

 

عن محمد محيسن