الرئيسية / كتابات / انتخابات في مهب الريح

انتخابات في مهب الريح


أراح نفسه على “جنبية” من الصوف وسط رجال أعدّ لهم معزبهم “بريق” شاي، بعد أن عادوا متعبين من مزارعهم وشؤونهم الخاصة؛ ليستمعوا لحديث سريع من مرشح اللامركزية، فيما تحلّق الفتية على كراسٍ خشبية وأخرى من طوب البناء وأمامهم أقداح من الشاي البارد.
إنها الانتخابات ولا فرصة أمام المرشحين إلا بتوسيع سلة أدواتهم الانتخابية. لكن ما الذي يمكن فعله لمجتمع لا يزال يتعاطى مع مرشحي مجلس المحافظات “اللامركزية” على قاعدة إما رئيس أو عضو قبل أيام قليلة من وصولنا للصناديق؟. ثم ماذا بوسع عدد محدود من المرشحين يحملون أفكارهم لتسويق أنفسهم وسط مجتمع يسأل في نهاية كل “تعليلة لا مركزية” : إنت عضو ولا رئيس؟.
المجتمع بمجمله لا يزال أسير تجربة المجالس المحلية ورؤساء البلديات. إنه مأزق حقيقي، أن يدخل مرشح اللامركزية مئات المنازل لتسويق نفسه، ثم يجد يقف مشدوها أمام سؤال لا تكف الناس عن صفع المرشحين به، في مشهد يؤكد شح المعلومات لدى كتلة بشرية كبيرة لا مجال لإقناعها باللامركزية إلا عبر السياقات الانتخابية المألوفة.
“لا عضو مش رئيس يا خوي” يجيب مرشح على شاب في مقتبل العمر يجلس على صندوق بيبسي أمام بقالة في حي فقير.
تلك مشاهد ينقلها مرشحون من قراهم وبواديهم ومخيماتهم للتأكيد على عجز الدولة في شرح اللامكزية كنظام إداري، يستهدف تحقيق تنمية شاملة ونقلة نوعية في حياة الناس وخدماتهم الرئيسية.
الخشية الحقيقية أن تغرق تجربتنا الأولى في اللامركزية بفخ السقوط في أول اختبار لها، ثم تجد الدولة فرصتها الثمينة في تحميل الناس مسؤولية الفشل، لتقرر العدول عن الفكرة لاحقاً إلى إشعار آخر. إنه الاستخدام السياسي بأبشع صوره لمرة واحدة.
كتاب الأعمدة لديهم ما يشغل مساحتهم اليومية، و”تلفزيون الميرمية” ملتهٍ بتطورات المشهد على وجبة الفاصولياء والدوالي، فيما تذرع الهيئة المستقلة للانتخاب العاصمة عمان وبعض المدن القريبة جيئة وذهاباً؛ لتبقى المملكة الأردنية على امتداها إطارا فارغا من مبادئ ومرتكزات ومحاور اللامركزية، ليجري خنقها مجتمعياً ليلة الانتخاب لصالح أعضاء مجالس البلديات ورؤسائها وفق اتفاقيات عشائرية تبرم بعجالة، بعد أن تنفض يديها من الأخلاق المجتمعية بهدوء.
نخشى على طفلتنا الصغيرة أن تدخل غرفة الخداج الرسمي والمجتمعي كثيراً، ولا تخرج منه إلا مشوهة، بعد أن تصبح فأر تجارب، حينها سنكون أمام مشهد نراكم به الفشل الإداري والتنموي إلى جانب السياسي والاقتصادي، وسط دولة لا تملك من الأوراق ما يكفي لتعويض الخسارة.

عن محمد محيسن