الرئيسية / كتابات / إعلان بلفور..وسياقات معركة “الوعي”

إعلان بلفور..وسياقات معركة “الوعي”

بقلم: الدكتور عصام يوسف – رئيس الهيئة الشعبية العالمية لدعم فلسطين

يشهد الحراك الشعبي والمؤسساتي المتصاعد منذ سنوات، في الذكرى السنوية لإعلان بلفور على تطور الوعي الجماهيري باتجاه الدفع نحو تصدر الرواية الفلسطينية الحقيقية المقاوِمة للرواية الصهيونية الزائفة.

 

وتقوم الرواية الفلسطينية على أساس وقائع الجريمة التي اقترفتها قوة استعمارية قديمة أعطت لنفسها حق تسليم أرض لقوة استعمارية استيطانية جديدة، ليصار إلى إكمال فصول الجريمة بتشريد سكان الأرض الأصليين، وإنكار حقوقهم، والعمل على طمس هويتهم، وكينونتهم.

 

وفي حين تمر الذكرى 104 على هذا الإعلان المشؤوم تجدر الإشارة إلى أهم ما يحتويه من عناصر تمثل لب الإجرام بحق الشعب الفلسطيني، التي ترتكز على إنكاره كشعب، حيث يرد وصفه بالـ”طوائف”، متحدثاً عن حقوق مزعومة لهذه الطوائف فأية حقوق تلك التي يشار إليها مع سرقة الأرض والمقدرات، وتشريد هذه “الطوائف” –بحسب رسالة الإعلان- في المنافي ودول الشتات المختلفة.

 

ومنذ تاريخ صدوره عام 1917 فقد شكّل الإعلان المشؤوم “المداميك” الأولى لوضع أسس الإرهاب المنظم في المنطقة، حيث حرم المنطقة والإقليم من أن تنعم بالأمن والاستقرار، ليرضي مقابل ذلك طموحات قوى استعمارية في إقامة دولة لليهود، يتم من خلالها ضرب أكثر من عصفور بحجر واحد، من بينها خلق جسر للاستعمار الامبريالي تستوطن من خلاله المنطقة وتتحكم بمقدراتها، إضافة لمنع توحد المشرق العربي بمغربه، وإبقاء دول المنطقة وشعوبها في حالة ضعف دائم، وغيرها من الأهداف.

 

لم يكن إعلان بلفور سوى إعلان رسمي عن قيام كيان استعماري استيطاني توسعي، ممنوح كل الأضواء الخضراء ليتصرف كدولة فوق القانون، يستبيح دماء الأبرياء ويرتكب المجازر كيفما ووقتما يشاء، وقد سطرت الدولة المصطنعة تاريخاً من المجازر وابتلاع الأراضي بالقوة، وتشريد سكانها، والتنكيل بمن تبقى منهم، وممارسة أشكال دنيئة من التمييز العنصري، يتسع مداها باتساع دعم قوى عظمى غلّبت الموازين لصالح الكيان المصطنع، وحرصت على إبقاء تفوقه العسكري على جميع مكونات المنطقة.

 

ومع استمرار الدعم الأمريكي للكيان الصهيوني بات الوعد بوطن قومي لليهود في فلسطين الذي تضمنه الإعلان يلد وعوداً، سيما مع إعلان الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب اعتبار مدينة القدس عاصمة لإسرائيل، ونقل سفارة واشنطن للمدينة المقدسة، دون أدنى تورّع منها عن التمادي في خرق القرارات والقوانين الدولية، وليزيد ذلك من تضخم الذهنية الصهيونية العنصرية التي ترى في ذاتها تفوقاً عرقياً ولاهوتياً وسياسياً وعسكرياً واقتصادياً، وغير ذلك، على دول وشعوب المنطقة.

 

ومع استفادتها من حالة الوهن العربي، والدعم الأمريكي اللامحدود، وما وصلت إليه العقلية الصهيونية الاستعمارية من تضخم، لم يمنع ذلك من مقارعة جبروت الكيان وطغيانه، والتصدي له بأساليب غير تقليدية، وامتلاك أدوات لضرورات المواجهة تمثل وعياً كبيراً بطبيعة الصراع مع الكيان الغاصب، تمتاز بتوطين هذا الوعي من خلال أشكال المواجهة وأساليبها التي تقتضيها المرحلة.

 

من أمثلة ذلك ” حركة مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها BDS”، التي نجحت في تحقيق نتائج مؤثرة على طريق عزل الكيان الإسرائيلي أكاديمياً وثقافياً وسياسياً، وإلى درجة ما اقتصادياً كذلك، حتى بات هذا الكيان يعتبر الحركة اليوم من أكبر “الأخطار الإستراتيجية” المحدقة به.

 

يضاف إلى ذلك ملاحقة مؤسسات حقوقية في أوروبا لقادة الاحتلال قضائياً، من أجل محاسبتهم على جرائم اقترفوها بحق أبناء الشعب الفلسطيني، إضافة لاضطلاع مؤسسات وحراكات دولية في كشف ممارسات وانتهاكات دولة الاحتلال، ومخالفاتها للقوانين الدولية، في مختلف المحافل، إلى جانب الحراكات المطالبة باعتراف بريطانيا عن مسؤوليتها عن عذابات الشعب الفلسطيني، والاعتذار عن خطيئة إعلان بلفور التي أنتجت كارثة العصر.

 

مما لا شك فيه فإن الحراكات المذكورة على الرغم من عدم تسلحها بأسلحة الدمار الشامل كالتي تمتلكها دولة الاحتلال، إلى أنها تتسلح بالقوانين والإيمان بعدالة القضية الفلسطينية، حيث تقض بأسلحتها تلك مضجع قادة الاحتلال، وتجر عليه الخسارات الاقتصادية والسياسية، فضلاً عن تحقيقها انتصارات في معارك كسب الرأي العام العالمي، ودحض الرواية الصهيونية، التي استغرق معها الكيان الصهيوني عقوداً من الزمن في حبكها لتزييف الوعي في عقل المجتمعات الغربية.

عن محمد محيسن